في ظلال أيات الصيام(شهيد الاسلام سيد قطب)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في ظلال أيات الصيام(شهيد الاسلام سيد قطب)

مُساهمة  مسلم في الثلاثاء 09 سبتمبر 2008, 1:37 am

يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم , لعلكم تتقون , أياما معدودات , فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ; وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ; فمن تطوع خيرا فهو خير له ; وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . فمن شهد منكم الشهر فليصمه , ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر , ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون). .

إن الله - سبحانه - يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له ; مهما يكن فيه من حكمة ونفع , حتى تقتنع به وتراض عليه .

ومن ثم يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين , المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة ; ثم يقرر لهم - بعد ندائهم ذلك النداء - أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين , وأن الغاية الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله:

(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). .

وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم . . إنها التقوى . . فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة , طاعة لله , وإيثارا لرضاه . والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية , ولو تلك التي تهجس في البال , والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله , ووزنها في ميزانه . فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم . وهذا الصوم أداة من أدواتها , وطريق موصل إليها . ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفا وضيئا يتجهون إليه عن طريق الصيام . . (لعلكم تتقون). .

ثم يثني بتقرير أن الصوم أيام معدودات , فليس فريضة العمر وتكليف الدهر . ومع هذا فقد أعفي من أدائه المرضى حتى يصحوا , والمسافرون حتى يقيموا , تحقيقا وتيسيرا:

(أياما معدودات . فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). .

وظاهر النص في المرض والسفر يطلق ولا يحدد . فأي مرض وأي سفر يسوغ الفطر , على أن يقضي المريض حين يصح والمسافر حين يقيم . وهذا هو الأولى في فهم هذا النص القرآني المطلق , والأقرب إلى المفهوم الإسلامي في رفع الحرج ومنع الضرر . فليست شدة المرض ولا مشقة السفر هي التي يتعلق بها الحكم إنما هي المرض والسفر إطلاقا , لإرادة اليسر بالناس لا العسر . ونحن لا ندري حكمة الله كلها في تعليقه بمطلق المرض ومطلق السفر ; فقد تكون هناك اعتبارات أخرى يعلمها الله ويجهلها البشر في المرض والسفر ; وقد تكون هناك مشقات أخرى لا تظهر للحظتها , أو لا تظهر للتقدير البشري . . وما دام الله لم يكشف عن علة الحكم فنحن لا نتأولها ; ولكن نطيع النصوص ولو خفيت علينا حكمتها . فوراءها قطعا حكمة . وليس من الضروري أن نكون نحن ندركها .

يبقى أن القول بهذا يخشى أن يحمل المترخصين على شدة الترخص , وأن تهمل العبادات المفروضة لأدنى سبب . مما جعل الفقهاء يتشددون ويشترطون . ولكن هذا - في اعتقادي - لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص .فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات , إنما يقودهم بالتقوى . وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى . والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء , لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق . وهذا الدين دين الله لا دين الناس . والله أعلم بتكامل هذا الدين , بين مواضع الترخص ومواضع التشدد ; وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها . بل لا بد أن يكون الأمر كذلك . ومن ثم أمر رسول الله [ ص ] أن يأخذ المسلمون برخص الله التي رخصها لهم . وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام ; ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم . وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع , وسد للذرائع , فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف , إذ هي حساب بين العبد والرب , لا تتعلق به مصالح العباد تعلقا مباشرا كأحكام المعاملات التي يراعى فيها الظاهر . والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب . وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت , ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه , ويراها هي الأولى , ويحس أن طاعة الله في أن يأخذ بها في الحالة التي يواجهها . أما تشديد الأحكام جملة في العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص , فقد ينشيء حرجا لبعض المتحرجين . في الوقت الذي لا يجدي كثيرا في تقويم المتفلتين . . والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها الله في هذا الدين . فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة . . وهذا هو جماع القول في هذا المجال .

بقي أن نثبت هنا بعض ما روي من السنة في حالات متعددة من حالات السفر , في بعضها كان التوجيه إلى الفطر وفي بعضها لم يقع نهي عن الصيام . . وهي بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر , قبل أن تأخذ الأحكام شكل التقعيد الفقهي على أيدي الفقهاء المتأخرين . وصورة سلوك أولئك السلف - رضوان الله عليهم - املأ بالحيوية , وألصق بروح هذا الدين وطبيعته , من البحوث الفقهية ; ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشيء في القلب مذاقا حيا لهذه العقيدة وخصائصها:

1 - عن جابر - رضي الله عنه - قال:خرج رسول الله [ ص ] عام الفتح إلى مكة في رمضان , فصام حتى بلغ "كراع الغميم" فصام الناس . ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس , ثم شرب . فقيل له بعد ذلك:إن بعض الناس قد صام , فقال:" أولئك العصاة . أولئك العصاة " . . [ أخرجه مسلم والترمذي ] .

2 - وعن أنس رضي الله عنه - قال:كنا مع النبي [ ص ] في سفر فمنا الصائم ومنا المفطر . فنزلنا منزلا في يوم حار , أكثرنا ظلا صاحب الكساء , ومنا من يتقي الشمس بيده . فسقط الصوام وقام المفطرون , فضربوا الأبنية , وسقوا الركاب , فقال النبي [ ص ] " ذهب المفطرون اليوم بالأجر " . . [ أخرجه الشيخان والنسائي ] .

3 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال:كان النبي [ ص ] في سفر , فرأى رجلا قد اجتمع عليه الناس , وقد ظلل عليه . فقال:ما له ? فقالوا:رجل صائم . فقال رسول الله [ ص ]:" ليس من البر الصوم في السفر " . . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي ] .

4 - وعن عمرو بن أمية الضمري - رضي الله عنه - قال:قدمت على رسول الله [ ص ] من سفر . فقال:انتظر الغداء يا أبا أمية . قلت:يا رسول الله إني صائم . قال:" إذا أخبرك عن المسافر . إنالله تعالى وضع عنه الصيام ونصف الصلاة " . [ أخرجه النسائي ] . .

5 - وعن رجل من بني عبد الله بن كعب بن مالك اسمه أنس بن مالك . قال:قال رسول الله [ ص ] " إن الله تعالى وضع شطر الصلاة عن المسافر وأرخص له في الإفطار وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما " . [ أخرجه أصحاب السنن ] .

6 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:سأل حمزة بن عمرو الأسلمي - رضي الله عنه - رسول الله [ ص ] عن الصوم في السفر . [ وكان كثير الصيام ] فقال:" إن شئت فصم , وإن شئت فأفطر " . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي ] وفي رواية أخرى وكان جلدا على الصوم .

7 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال:كنا مع النبي [ ص ] فمنا الصائم ومنا المفطر . فلا الصائم يعيب على المفطر , ولا المفطر يعيب على الصائم " . . [ أخرجه مالك والشيخان وأبو داود ] .

8 - وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال:خرجنا مع رسول الله [ ص ] في رمضان في حر شديد , حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ; وما فينا صائم إلا رسول الله [ ص ] وابن رواحة رضي الله عنه . . [ أخرجه الشيخان وأبو داود ] .

9 - وعن محمد بن كعب قال:أتيت أنس بن مالك - رضي الله عنه - في رمضان وهو يريد سفرا . وقد رحلت له راحلته , ولبس ثياب سفره , فدعا بطعام فأكل . فقلت له:سنة ? قال:نعم . ثم ركب . . [ أخرجه الترمذي ] .

10 - وعن عبيد بن جبير قال:كنت مع أبي بصرة الغفاري - صاحب رسول الله [ ص ] - رضي الله عنه في سفينة من الفسطاط في رمضان . فدفع فقرب غداؤه , فقال:اقترب . قلت:ألست ترى البيوت ? قال:أترغب عن سنة رسول الله [ ص ] ? فأكل وأكلت . . [ أخرجه أبو داود ]

11 - وعن منصور الكلبي:أن دحية بن خليفة - رضي الله عنه - خرج من قرية من دمشق إلى قدر قرية عقبة من الفساط , وذلك ثلاثة أميال , في رمضان . فأفطر وأفطر معه ناس كثير . وكره آخرون أن يفطروا . فلما رجع إلى قريته قال:والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أن أراه . إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله [ ص ] وأصحابه . اللهم أقبضني إليك . . [ أخرجه أبو داود ] . .

فهذه الأحاديث في جملتها تشير إلى تقبل رخصة الإفطار في السفر في سماحة ويسر . وترجح الأخذ بها . ولا تشترط وقوع المشقة للأخذ بها كما يشير إلى ذلك الحديثان الأخيران بوجه خاص , وإذا كان الحديث الثامن منها يشير إلى أن رسول الله [ ص ] وحده ظل مرة صائما مع المشقة هو وعبد الله بن رواحة , فقد كانت له [ ص ] خصوصيات في العبادة يعفي منها أصحابه . كنهيه لهم عن مواصلة الصوم وهو كان يواصل أحيانا . أي يصل اليوم باليوم بلا فطر . فلما قالوا له في هذا , قال:" إني لست مثلكم , إني أظل يطعمني ربي ويسقيني " . . [ أخرجه الشيخان ] وثابت من الحديث الأول أنه أفطر وقال عن الذين لم يفطروا:أولئك العصاة . أولئك العصاة . وهذا الحديث متأخر - في سنة الفتح - فهو أحدث من الأحاديث الأخرى . وأكثر دلالة على الاتجاه المختار . .

والصورة التي تنشأ في الحس من مجموع هذه الحالات . . إنه كانت هناك مراعاة لحالات واقعية , تقتضي توجيها معينا - كما هو الشأن في الأحاديث التي تروى في الموضوع العام الواحد , ونجد فيها توجيهات متنوعة -

أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

فالرسول [ ص ] كان يربي وكان يواجه حالات حية . ولم يكن يواجهها بقوالب جامدة !

ولكن الانطباع الأخير في الحس في أمر الصوم في السفر هو استحباب الفطر , دون تقيد بحصول المشقة بالفعل . . أما المرض فلم أجد فيه شيئا إلا أقوال الفقهاء , والظاهر أنه مطلق في كل ما يثبت له وصف المرض , بلا تحديد في نوعه وقدره ولا خوف شدته , على وجوب القضاء يوما بيوم في المرض والسفر , من غير موالاة في أيام القضاء على الرأي الأرجح .

وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض في خلافات فقهية ; ولكن لتقرير قاعدة في النظر إلى الشعائر التعبدية , وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها . وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد ; وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره , وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة . . هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين - كما أراده الله - بتكاليفه كلها , طاعة وتقوى وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه , متكاملا متناسقا , في طمأنينة إلى الله , ويقين بحكمته , وشعور بتقواه .

ثم نعود إلى استكمال السياق:

(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين , فمن تطوع خيرا فهو خير له , وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون). .

وفي أول الأمر كان تكليف الصوم شاقا على المسلمين - وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة قبيل فرض الجهاد - فجعل الله فيه رخصة لمن يستطيع الصوم بجهد - وهو مدلول يطيقونه - فالإطاقة الاحتمال بأقصى جهد - جعل الله هذه الرخصة , وهي الفطر مع إطعام مسكين . . ثم حببهم في التطوع بإطعام المساكين إطلاقا , إما تطوعا بغير الفدية , وإما بالإكثار عن حد الفدية , كأن يطعم اثنين أو ثلاثة أو أكثر بكل يوم من أيام الفطر في رمضان: (فمن تطوع خيرا فهو خير له). . ثم حببهم في اختيار الصوم مع المشقة - في غير سفر ولا مرض -: (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون). . لما في الصوم من خير في هذه الحالة . يبدو منه لنا عنصر تربية الإرادة , وتقوية الاحتمال , وإيثار عبادة الله على الراحة . وكلها عناصر مطلوبة في التربية الإسلامية . كما يبدو لنا منه ما في الصوم من مزايا صحية - لغير المريض - حتى ولو أحس الصائم بالجهد .

وعلى أية حال فقد كان هذا التوجيه تمهيدا لرفع هذه الرخصة عن الصحيح المقيم وإيجاب الصيام إطلاقا . كما جاء فيما بعد . وقد بقيت للشيخ الكبير الذي يجهده الصوم , ولا ترجى له حالة يكون فيها قادرا على القضاء . . فأخرج الإمام مالك أنه بلغه أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - كبر حتى كان لا يقدر على الصيام فكان يفتدي . . وقال ابن عباس:ليست منسوخة , هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . . وعن ابن أبي ليلى قال:دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل , فقال:قال ابن عباس نزلت هذه الآية فنسخت الأولى إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر . فالنسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بالآية الآتية: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه . . .).

وتحبيب آخر في أداء هذه الفريضة للصحيح المقيم . . إنها صوم رمضان:الشهر الذي أنزل فيه القرآن - إما بمعنى أن بدء نزوله كان في رمضان , أو أن معظمه نزل في أشهر رمضان - والقرآن هو كتاب هذه الأمة الخالد , الذي أخرجها من الظلمات إلى النور , فأنشأها هذه النشأة , وبدلها من خوفها أمنا , ومكن لها في الأرض , ووهبها مقوماتها التي صارت بها أمة , ولم تكن من قبل شيئا . وهي بدون هذه المقومات ليست أمة وليس لها مكان في الأرض ولا ذكر في السماء . فلا أقل من شكر الله على نعمة هذا القرآن بالاستجابة إلى صوم

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

الشهر الذي نزل فيه القرآن:

(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن , هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . . فمن شهد منكم الشهر فليصمه . ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). .

وهذه هي الآية الموجبة الناسخة لرخصة الإفطار والفدية بالنسبة للصحيح المقيم - فيما عدا الشيخ والشيخة كما أسلفنا:

(فمن شهد منكم الشهر فليصمه). .

أي من حضر منكم الشهر غير مسافر . أو من رأى منكم هلال الشهر . والمستيقن من مشاهدة الهلال بأية وسيلة أخرى كالذي يشهده في إيجاب الصوم عليه عدة أيام رمضان .

ولما كان هذا نصا عاما فقد عاد ليستثني منه من كان مريضا أو على سفر:

(ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). .

وتحبيب ثالث في أداء الفريضة , وبيان لرحمة الله في التكليف وفي الرخصة سواء:

(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). .

وهذه هي القاعدة الكبرى في تكاليف هذه العقيدة كلها . فهي ميسرة لا عسر فيها . وهي توحي للقلب الذي يتذوقها , بالسهولة واليسر في أخذ الحياة كلها ; وتطبع نفس المسلم بطابع خاص من السماحة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد . سماحة تؤدي معها كل التكاليف وكل الفرائض وكل نشاط الحياة الجادة وكأنما هي مسيل الماء الجاري , ونمو الشجرة الصاعدة في طمأنينة وثقة ورضاء . مع الشعور الدائم برحمة الله وإرادته اليسر لا العسر بعباده المؤمنين .

وقد جعل الصوم للمسافر والمريض في أيام أخر , لكي يتمكن المضطر من إكمال عدة أيام الشهر , فلا يضيع عليه أجرها:

(ولتكملوا العدة).

والصوم على هذا نعمة تستحق التكبير والشكر:

(ولتكبروا الله على ما هداكم . ولعلكم تشكرون). .

فهذه غاية من غايات الفريضة . . أن يشعر الذين آمنوا بقيمة الهدى الذي يسره الله لهم . وهم يجدون هذا في أنفسهم في فترة الصيام أكثر من كل فترة . وهم مكفوفو القلوب عن التفكير في المعصية , ومكفوفو الجوارح عن إتيانها . وهم شاعرون بالهدى ملموسا محسوسا . ليكبروا الله على هذه الهداية وليشكروه على هذه النعمة . ولتفيء قلوبهم إليه بهذه الطاعة . كما قال لهم في مطلع الحديث عن الصيام: (لعلكم تتقون). .

وهكذا تبدو منة الله في هذا التكليف الذي يبدو شاقا على الأبدان والنفوس . وتتجلى الغاية التربوية منه , والإعداد من ورائه للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه , أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير .


مسلم
عضو درجة اولى ممتاز
عضو درجة اولى ممتاز

عدد الرسائل : 74
المدينة : اوكلاند
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

تابع:

مُساهمة  مسلم في الثلاثاء 09 سبتمبر 2008, 1:37 am

الدرس الرابع:186 الترغيب في الدعاء وشروط الإستجابة

وقبل أن يمضي السياق في بيان أحكام تفصيلية عن مواعيد الصيام , وحدود المتاع فيه وحدود الإمساك . . نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس وخفايا السريرة . نجد العوض الكامل الحبيب المرغوب عن مشقة الصوم ,

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

والجزاء المعجل على الاستجابة لله . . نجد ذلك العوض وهذا الجزاء في القرب من الله , وفي استجابته للدعاء . . تصوره الفاظ رفافة شفافة تكاد تنير:

(وإذا سألك عبادي عني , فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان . فليستجيبوا لي , وليؤمنوا بي , لعلهم يرشدون). .

فإني قريب . . أجيب دعوة الداع إذا دعان . . أية رقة ? وأي انعطاف ? وأية شفافية ? وأي إيناس ? وأين تقع مشقة الصوم ومشقة أي تكليف في ظل هذا الود , وظل هذا القرب , وظل هذا الإيناس ?

وفي كل لفظ في التعبير في الآية كلها تلك النداوة الحبيبة:

(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب . أجيب دعوة الداع إذا دعان). .

إضافة العباد إليه , والرد المباشر عليهم منه . . لم يقل:فقل لهم:إني قريب . . إنما تولى بذاته العلية الجواب على عباده بمجرد السؤال . . قريب . . ولم يقل اسمع الدعاء . . إنما عجل بإجابة الدعاء: (أجيب دعوة الداع إذا دعان). .

إنها آية عجيبة . . آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة , والود المؤنس , والرضى المطمئن , والثقة واليقين . . ويعيش منها المؤمن في جناب رضي , وقربى ندية , وملاذ أمين وقرار مكين .

وفي ظل هذا الأنس الحبيب , وهذا القرب الودود , وهذه الاستجابة الوحية . . يوجه الله عباده إلى الاستجابة له , والإيمان به , لعل هذا أن يقودهم إلى الرشد والهداية والصلاح .

(فليستجيبوا لي , وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون). .

فالثمرة الأخيرة من الاستجابة والإيمان هي لهم كذلك . . وهي الرشد والهدى والصلاح . فالله غني عن العالمين .

والرشد الذي ينشئه الإيمان وتنشئه الاستجابة لله هو الرشد . فالمنهج الإلهي الذي اختاره الله للبشر هو المنهج الوحيد الراشد القاصد ; وما عداه جاهلية وسفه لا يرضاه راشد , ولا ينتهي إلى رشاد . واستجابة الله للعباد مرجوة حين يستجيبون له هم ويرشدون . وعليهم أن يدعوه ولا يستعجلوه . فهو يقدر الاستجابة في وقتها بتقديره الحكيم .

أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث ابن ميمون - بإسناده - عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي [ ص ] أنه قال:" إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبين " .

وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي - بإسناده - عن ابن ثوبان:ورواه عبد الله بن الإمام أحمد - بإسناده - عن عبادة بن الصامت:أن النبي [ ص ] قال:" ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة إلا آتاه الله إياها , أو كف عنه من السوء مثلها , ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " .

وفي الصحيحين:أن رسول الله [ ص ] قال:" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل . يقول:دعوت فلم يستجب لي ! " . .

وفي صحيح مسلم:عن النبي [ ص ] أنه قال:" لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل " قيل:يا رسول الله وما الاستعجال . قال:" يقول:قد دعوت , وقد دعوت , فلم أر يستجاب لي , فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء " .

والصائم أقرب الدعاة استجابة , كما روى الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده - بإسناده - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال:سمعت رسول الله [ ص ] يقول:" للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة " . . فكان عبد الله بن عمر إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا . وروى ابن ماجه في سننه - بإسناده - عن عبد الله بن عمر كذلك قال:قال النبي [ ص ]:" إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -:قال:قال رسول الله [ ص ]:" ثلاثة لا ترد دعوتهم:الإمام العادل , والصائم حتى يفطر , ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة , وتفتح لها أبواب السماء , ويقول:بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " . .

ومن ثم جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام .

الدرس الخامس:187 وقت الإمساك والإفطار والإعتكاف في المساجد
أ
ُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

ثم يمضي السياق يبين للذين آمنوا بعض أحكام الصيام . فيقرر لهم حل المباشرة للنساء في ليلة الصوم ما بين المغرب والفجر , وحل الطعام والشراب كذلك , كما يبين لهم مواعيد الصوم من الفجر إلى الغروب , وحكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد:

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم , هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ; علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ; فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم , وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر , ثم أتموا الصيام إلى الليل , ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد . تلك حدود الله فلا تقربوها . كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون).

وفي أول فرض الصوم كانت المباشرة والطعام والشراب تمتنع لو نام الصائم بعد إفطاره . فإذا صحا بعد نومه من الليل - ولو كان قبل الفجر - لم تحل له المباشرة ولم يحل له الطعام والشراب . وقد وقع أن بعضهم لم يجد طعاما عند أهله وقت الإفطار , فغلبه النوم , ثم صحا فلم يحل له الطعام والشراب فواصل . ثم جهد في النهار التالي وبلغ أمره إلى النبي [ ص ] كما وقع أن بعضهم نام بعد الإفطار أو نامت امرأته , ثم وجد في نفسه دفعة للمباشرة ففعل وبلغ أمره إلى النبي [ ص ] وبدت المشقة في أخذ المسلمين بهذا التكليف , فردهم الله إلى اليسر وتجربتهم حاضرة في نفوسهم , ليحسوا بقيمة اليسر وبمدى الرحمة والاستجابة . . ونزلت هذه الآية . نزلت تحل لهم المباشرة ما بين المغرب والفجر:

(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم). .

والرفث مقدمات المباشرة , أو المباشرة ذاتها , وكلاهما مقصود هنا ومباح . . ولكن القرآن لا يمر على هذا المعنى دون لمسة حانية رفافة , تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقا ونداوة , وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته , وتوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة:

هن لباس لكم وأنتم لباس لهن . .

واللباس ساتر وواق . . وكذلك هذه الصلة بين الزوجين . تستر كلا منهما وتقيه . والإسلام الذي يأخذهذا الكائن الإنساني بواقعه كله , ويرتضي تكوينه وفطرته كما هي , ويأخذ بيده إلى معارج الارتفاع بكليته . . الإسلام وهذه نظرته يلبي دفعة اللحم والدم . وينسم عليها هذه النسمة اللطيفة , ويدثرها بهذا الدثار اللطيف . . في آن . .

ويكشف لهم عن خبيئة مشاعرهم , وهو يكشف لهم عن رحمته بالاستجابة لهواتف فطرتهم:

(علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم . فتاب عليكم وعفا عنكم). .

وهذه الخيانة لأنفسهم التي يحدثهم عنها , تتمثل في الهواتف الحبيسة , والرغبات المكبوتة ; أو تتمثل في الفعل ذاته , وقد ورد أن بعضهم أتاه . . وفي كلتا الحالتين لقد تاب عليهم وعفا عنهم , مذ ظهر ضعفهم وعلمه الله منهم . . فأباح لهم ما كانوا يختانون فيه أنفسهم:

(فالآن باشروهن). .

ولكن هذه الإباحة لا تمضي دون أن تربط بالله , ودون توجيه النفوس في هذا النشاط لله أيضا:

(وابتغوا ما كتب الله لكم). .

ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء , ومن المتعة بالذرية , ثمرة المباشرة . فكلتاهما من أمر الله , ومن المتاع الذي أعطاكم إياه , ومن إباحتها وإتاحتها يباح لكم طلبها وابتغاؤها . وهي موصولة بالله فهي من عطاياه . ومن ورائها حكمة , ولها في حسابه غاية . فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد , منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط .

بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما , وأفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما . وبهذا تنظف هذه العلاقة وترق وترقى . . ومن مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني وفي التصور الإسلامي ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الذي يبذل لترقية هذه البشرية وتطويرها , في حدود فطرتها وطاقتها وطبيعة تكوينها . وهذا هو المنهج الإسلامي للتربية والاستعلاء والنماء . المنهج الخارج من يد الخالق . وهو أعلم بمن خلق , وهو اللطيف الخبير .

وكما أباح المباشرة أباح الطعام والشراب في الفترة ذاتها:

(وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر). .

أي حتى ينتشر النور في الأفق وعلى قمم الجبال . وليس هو ظهور الخيط الأبيض في السماء وهو ما يسمى بالفجر الكاذب . وحسب الروايات التي وردت في تحديد وقت الإمساك نستطيع أن نقول:إنه قبل طلوع الشمس بقليل . وإننا نمسك الآن وفق المواعيد المعروفة في قطرنا هذا قبل أوان الإمساك الشرعي ببعض الوقت . . ربما زيادة في الاحتياط . .

قال ابن جرير - بإسناده - عن سمرة بن جندب:قال:قال رسول الله [ ص ]:" لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض , حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر " . . ثم رواه من حديث شعبة وغيره عن سواد بن حنظلة عن سمرة قال:قال رسول الله [ ص ]:" لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل , ولكنه الفجر المستطير في الأفق " . . والفجر المستطير في الأفق يسبق طلوع الشمس بوقت قليل . . وكان بلال - رضي الله عنه - يبكر في الأذان لتنبيه النائم , وكان ابن أم مكتوم يؤذن متأخرا للإمساك . وإلى هذا كانت الإشارة إلى أذان بلال . .

ثم يذكر حكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد . والاعتكاف - بمعنى الخلوة إلى الله في المساجد . وعدم دخول البيوت إلا لضرورة قضاء الحاجة , أو ضرورة الطعام والشراب - يستحب في رمضان في الأيام الأخيرة . وكانت سنة رسول الله [ ص ] في العشر الأواخر منه . . وهي فترة تجرد لله . ومن ثم امنتعت فيها المباشرة تحقيقا لهذا التجرد الكامل , الذي تنسلخ فيه النفس من كل شيء , ويخلص فيه القلب من كل شاغل:

(ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد). .

سواء في ذلك فترة الإمساك وفترة الإفطار .

وفي النهاية يربط الأمر كله بالله على طريقة القرآن في توجيه كل نشاط وكل امتناع . كل أمر وكل نهي . كل حركة وكل سكون:

(تلك حدود الله فلا تقربوها). .

والنهي هنا عن القرب . . لتكون هناك منطقة أمان . فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . والإنسان لا يملك نفسه في كل وقت ; فأحرى به ألا يعرض إرادته للامتحان بالقرب من المحظورات المشتهاة , اعتمادا على أنه يمنع نفسه حين يريد . ولأن المجال هنا مجال حدود للملاذ والشهوات كان الأمر: (فلا تقربوها). . والمقصود هو المواقعة لا القرب . ولكن هذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه في التحرج والتقوى:

(كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون). .

وكذلك تلوح التقوى غاية يبين الله آياته للناس ليبلغوها , وهي غاية كبيرة يدرك قيمتها الذين آمنوا , المخاطبون بهذا القرآن في كل حين .

الدرس السادس:188 تحريم أكل أموال الناس بالباطل

وفي ظل الصوم , والامتناع عن المأكل والمشرب , يرد تحذير من نوع آخر من الأكل:أكل أموال الناس بالباطل , عن طريق التقاضي بشأنها أمام الحكام اعتمادا على المغالطة في القرائن والأسانيد , واللحن بالقول والحجة . حيث يقضي الحاكم بما يظهر له , وتكون الحقيقة غير ما بدا له . ويجيء هذا التحذير عقب ذكر حدود الله , والدعوة إلى تقواه , ليظللها جو الخوف الرادع عن حرمات الله:

(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون).

ذكر ابن كثير في تفسير الآية:" قال علي بن أبي طلحة وعن ابن عباس:هذا في الرجل يكون عليه مال , وليس عليه فيه بينة , فيجحد المال , ويخاصم إلى الحكام , وهو يعرف أن الحق عليه , وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام . وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير , وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم أنهم قالوا:لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم . وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله [ ص ] قال:" إنما أنا بشر , وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له , فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار . فليحملها أو ليذرها " . .

وهكذا يتركهم لما يعلمونه من حقيقة دعواهم . فحكم الحاكم لا يحل حراما , ولا يحرم حلالا . إنما هو ملزم في الظاهر . وإثمه على المحتال فيه

مسلم
عضو درجة اولى ممتاز
عضو درجة اولى ممتاز

عدد الرسائل : 74
المدينة : اوكلاند
تاريخ التسجيل : 01/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى